حوار وزير الشؤون الخارجية والأوروبية مع جريدة لوفيجارو اليومية

سؤال- ما المبادرات الدبلوماسية الجديدة التي تنتظرونها من إدارة أوباما؟

جواب- إننا نعول آمالا كبيرة على المواقف المعلنة من قبل الرئيس أوباما الذي يبدو أكثر ميلا إلى تعددية الأطراف من سلفه. ونحن – على أية حال – متعلقين للغاية بتعددية الأطراف. ونعتزم بشدة العمل بصورة وثيقة مع حلفائنا الأمريكيين. بيد أن فرنسا لم تنتظر الرئيس أوباما، فمنذ ما يقرب من عامين، بدأت دبلوماسية جديدة لبلادنا تأخذ مجراها. ولم ننتظر قط موافقة الأمريكيين ولن ننتظرها لممارسة دبلوماسيتنا الخاصة، غير أننا نسعد حينما نكون متفقين. إن منهج فرنسا يكمن في التحدث بوضوح – من دون أحكام مسبًّقة – من أجل محاولة خوض طريق السلام في كل مكان في العالم. ولقد أثبتنا ذلك في الشرق الأوسط وفي جورجيا وفي أمريكا اللاتينية. وهذا لا يمنعنا – باستقلالية تامة – من تلقي اقتراح الرئيس الروسي ميدفيديف بشكل جيد، ذلك الاقتراح الرامي إلى فتح مباحثات حول الأمن الأوروبي. إننا نعمل على تنمية سياسة خارجية مستقلة وملائمة للأوضاع ولكننا نحاول أن نلعب دورًا بشكل جماعي. وفي أعلب الأحيان كنّا متقدمين عن غيرنا في هذا الأمر. وفي أغلب الأحيان كان الآخرون يتبعوننا.

سؤال- هل من مثال على ذلك؟

جواب- ضد رأي الأمريكيين، قمنا باستئناف علاقات متعمقة مع سوريا. لم يكن الأمر سهلا. ولكن، الآن، يبدو أن الأمريكيين قد سلكوا الدرب ذاته. مثال آخر. قمنا بالتصويت – إبان قمة بوخارست – ضد خطة انضمام أوكرانيا وجورجيا إلى حلف شمال الأطلسي. ولقد ثبتنا على رأينا مع ألمانيا والدول الأربع الأخرى المؤسسة للاتحاد الأوروبي. وفي أمريكا اللاتينية، أقمنا علاقات إيجابية مع رئيس فنزويلا السيد هوجو شافيز وهو ما نفعله حاليًّا مع كوبا. وحينما قمنا – قبل الآخرين – بالدفاع عن مكافحة التغير المناخي، لم تتبعنا في ذلك الولايات المتحدة. غير أنه في خطابه الأخير أمام الكونجرس، شدد الرئيس أوباما بوضوح على هذا الموضوع. إننا أصدقاء للأمريكيين، كما إننا حلفاء، غير أننا لسنا باقتفائيين.

سؤال- لقد سبقت فرنسا غيرها فيما يتعلق بسوريا. لما لا تنتهجوا النهج ذاته بالتحدث مع حماس، وهي التي فازت في الانتخابات الحرة الوحيدة على الإطلاق التي جرى تنظيمها في فلسطين؟

جواب- يحدونا الطموح في العمل بسرعة وفي عدم انتظار التوافق حتى نتقدم وفي رؤية الأمور بصورة عريضة. إن ما يقتضيه الأمر هو السلام في الشرق الأوسط، ذلك السلام الذي يمر عبر قيام دولة فلسطينية قابلة للعيش بجانب دولة إسرائيل، تضمن لها – من خلال وجودها ذاته – السلام على الأمد الطويل. سنناضل دومًا من أجل وجود دولة إسرائيل كما سنناضل حتى النهاية من أجل قيام الدولة الفلسطينية. إن حماس عنصر مهم في المجتمع الفلسطيني، غير أنها اليوم لم تسلك بعد طريق السلام. لا يتعين علينا، نحن، أن نقرر أي نوع من الوفاق يجب أن يتم مع فتح من أجل تشكيل حكومة ممثلة للفلسطينيين كافة. إننا ندعم الوساطة المصرية الحالية. وبمجرد أن تقوم حماس بتشكيل حكومة مع فتح وتحترم مبادىء عملية السلام، لن يكون لدينا مشكلة قط في التحدث إليها. ينبغي أن تقبل حماس مبادرة السلام السعودية، تلك التي قامت الجامعة العربية بالتصديق عليها. (اعتراف الدول العربية كافة بدولة إسرائيل في مقابل عودتها إلى حدود عام 1967).

سؤال- في نهاية شهر ديسمبر/كانون الأول، تم استقبال وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني بالإليزيه. وقد أوصاها الرئيس ساركوزي بالاعتدال بشأن غزة. هل هنالك قدر محتوم بألا تنصت إسرائيل البتة لنصائح فرنسا؟

جواب- لقد أوضح ما تعاقب من أحداث أن الهجوم العسكري الإسرائيلي على غزة أدى إلى نتيجة عكسية ولم يحل شيئًا. غير أنه – في المجال الدبلوماسي – لابد دومًا من المحاولة وعدم الرضوخ قط إلى الإحباط. ولا تنسوا أننا استقبلنا أيضًا الرئيس الفلسطيني محمود عباس.

سؤال- ألا تجعل إسرائيل إنشاء دولة فلسطينية قابلة للعيش في المستقبل مستحيلا بمواصلتها عمليتها الاستيطانية في الضفة الغربية المحتلة؟

جواب- بلا أدنى شك. لقد كان الرئيس ساركوزي شديد الوضوح بشأن هذه النقطة في خطابه الذي ألقاه بالكنيست. وإنني آسف على عدم انضمام الأمريكيين لنا قط في إدانة أكثر صرامة للمستوطنات الإسرائيلية. لا يمكن إقامة سلام مادامت المستوطنات آخذة في الانتشار. بيد أن الدبلوماسية الفرنسية تتشبث بهذا الأمر.

سؤال : يتلخص تاريخ العقد الأخير في غزة في قنابل مولها الأمريكيون دمرت منشآت عامة فلسطينية مولها الأوروبيون. ألم يحن الوقت لوقف هذه الدائرة المفرغة ؟

جواب : إن الحرب هي التي يجب وقفها. ولكن بانتظار حدوث ذلك، يجب أيضاً إعادة البناء. خلال مؤتمر شرم الشيخ، تعهدت الأسرة الدولية، بما فيها الولايات المتحدة، بتقديم ما يزيد عن 4 مليارات دولار من أجل إعادة بناء غزة. بيد أن الأمر العاجل اليوم هو رفع حصار غزة والحواجز العسكرية الإسرائيلية في الضفة الغربية.

سؤال : حول الملف النووي الإيراني، ألا تعد فرنسا أكثر ملكية من الملك بمطالبتها بإلحاح بفرض عقوبات جديدة، في الوقت الذي تنادي فيه الإدارة الأمريكية الجديدة بفتح حوار غير مشروط مع طهران؟

جواب : لقد كنا دائماً لصالح الحوار مع طهران وما يزال موقفنا كذلك. لقد التقيت عدة مرات نظيري الإيراني وكذلك قادة آخرين لهذا البلد. ولم تُكلل هذه اللقاءات بالنجاح. أما بالنسبة للعقوبات، فقد تم استصدار ثلاث قرارات من قبل مجلس أمن الأمم المتحدة. وأوافق معكم بأن بعض القيود الوطنية، مثل تجميد الاستثمارات، لم يتبعها كل شركائنا الأوروبيون. ومع ذلك، يجب على الإيرانيين أن يردوا على طلبات الوكالة الدولية للطاقة الذرية من أجل تقديم دليل بأن برنامجهم النووي ليس له أي طابع عسكري، وهذا ما لم يفعلوه حتى الآن. وهنا أيضاً، نحن نتشبث برأينا، لأننا نرى أنم كل دروب الدبلوماسية لم تستنفذ بعد.

سؤال : أليس من غير الواقعي مطالبة إيران أن تتخلى كلياً عن إنتاجها من اليورانيوم المخصب ؟

جواب : إنه أمر ضروري ولا غنى عنه. إنه أمر مريب للغاية أن لا ترد إيران على طلبات الوكالة الدولية للطاقة الذرية. لا يمكن أن نقبل أن تمتلك إيران قنبلة ذرية بذريعة أن دول أخرى، مثل باكستان، تمتلكها. هل نريد أن تمتلك كل دول المنطقة بدورها السلاح الذري؟ بالطبع لا. وإن غير القادرين على صنع هذه القنبلة بأنفسهم سيشترونها. وسيكون هذا الأمر في بالغ الخطورة. بيد إنني لا أنسى أن الفرس يشكلون أمة كبيرة وأننا لا يمكن أن نقوم بتسوية أي شيء في الخليج الفارسي وفي آسيا الوسطى إذا ما تجاهلناهم.

سؤال : ما هي مصلحة فرنسا بالانضمام للقيادة المركزية لمنظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وهو هيكل بيروقراطي ثقيل وغير متكيف مع الحروب الحديثة، كما شهدنا ذلك في أفغانستان ؟

جواب : هذا التقييم خاص بكم. نحن أعضاء مؤسسين للحلف الأطلسي. وقد قرر الجنرال ديجول سحب فرنسا من القيادة المركزية في عام 1966 لأنه لم يكن يريد، في سياق الحرب الباردة، وجود قوات أجنبية في فرنسا لا تكون تحت القيادة الفرنسية. لقد تغير السياق اليوم. لم يعد حلف وارسو والخطر الشيوعي موجودان. ولقد شاركنا في كل عمليات منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، في البوسنة وفي كوسوفو وفي أفغانستان، ولكن من دون أن نشارك في إعداد الخطط. إن فرنسا لا يمكن أن تستمر في أن تكون المخرج الوحيد لفيلم لم تُدعى لكتابة السيناريو الخاص به. وهذا لا يمثل البتة تقويضاً في استقلالية قراراتنا. أذكركم بأن الانضمام التام والكامل لألمانيا لمنظمة حلف شمال الأطلسي لم يجبرها على المشاركة في غزو العراق. في المقابل، سنكسب، بالعودة للانضمام في القيادة المركزية للناتو، قيادات هامة، وسنشارك بالأخص في إعداد خطط، نحن معنيون، إذا ما وافقنا عليها، بتنفيذها. نحن نرحب بإضفاء طابع أوروبي على منظمة حلف شمال الأطلسي. وسينفذ الأوروبيون، في هذا السياق، عمليات خارجية بصورة أسهل، من دون موافقة أو مشاركة الأمريكيين. أما بخصوص أفغانستان، لن يكون هناك حل عسكري فقط. يجب إعطاء مزيد من المسؤوليات للأفغان، بما في ذلك على المستوى الأمني. إن الأمر لا يتعلق بإقامة ديمقراطية وفقاً للنهج الغربي في أفغانستان. يجب أن نحترم نتيجة الانتخابات المقبلة أياً كانت. وسنبقى في أفغانستان الوقت اللازم حتى يتسنى للمجتمع المدني الأفغاني القدرة على أن يمسك بزمام أموره بنفسه. إذا ما وصلت حركة طالبان الوطنية إلى الحكم من خلال صناديق الاقتراع وإذا ما احترمت الدستور، فهذا شأن أفغاني. ما نرفضه هو مساندة تيارات الجهاد الدولية.

سؤال : ألا يوجد تناقض بين الرغبة في تحرك أنساني غربي في السودان واتهام رئيس السودان بواسطة المحكمة الجزائية الدولية ؟

جواب : لا، لأننا حاولنا كل شيء. كان هناك في دارفور مذابح مستمرة، مئات الآلاف من الضحايا، وملايين النازحين. من أخر غير رئيس الجمهورية يمكن أن يتحمل مسؤولية ذلك ؟ لقد التقيت عدة مرات الجنرال البشير. والتقى به الرئيس ساركوزي مرتين. لقد طلبنا منه أن يقوم بلفتة إيجابية : ولكنه لم يقم بلفتة واحدة، والأسوأ هو أنه لم يتردد في تعيين أحد المقربين له، المتهم من قبل من جانب المحكمة الجزائية الدولية، في منصب وزير العمليات الإنسانية. وبمبادرة منا، نجحت أوروبا في تأمين شرق تشاد. وبفضل 3000 جندي تابعين لقوة Eufor (آتين من 17 دولة أوروبية) تسنى لربع النازحين العودة إلى ديارهم، وتوقفت هجمات ميليشيات الجنجاوييد العربية ضد اللاجئين السودانيين من أبناء دارفور.

سؤال- ما الجرعة اللازمة من الـسياسة الواقعية الـ"ريال بوليتيك" التي ينبغي أن تخفف من حدة "حق التدخل" الذي تعتزون به؟

جواب- لا أحب كثيرًا كلمة بيسمارك الـ"ريال بوليتيك"، ولكن، نعم، ينبغي تقبل الواقع المحلي والإنساني والديني في هذا العالم على حالته. إن حق التدخل هذا، إنما يعني مسؤولية حماية الشعوب المعرضة للخطر. وقد تبنتها الجمعية العامة للأمم المتحدة. وأفخر بأنني قد أسهمت في ذلك، وكوزير للشؤون الخارجية الفرنسية، أفخر بأنني أواصل هذه المعركة. إن حياة البشر كافة ثمينة أيًّا الموقع الجغرافي والدين ولون البشرة. غير أنه لأمر أساسي أن تمارس مسؤولية الحماية هذه، بصورة وقائية. وخير مثال على ذلك مقدونيا، حيث حال الألف رجل بحلف شمال الأطلسي، ثم بالاتحاد الأوروبي دون تدهور التوتر السائد بين السلاف والناطقين بالألبانية. واليوم، من الواضح، أنه لا يجدي في شيء إرسال مزيد من القوات إلى الصومال، هذه الأرض الشاسعة التي تفتقر إلى هيكل دولة، من دون محاربة البؤس هناك. لقد حظي هذا البلد منذ وقت قريب برجل مسلم معتدل كرئيس جديد. يجب أن ندعمه. كما أن مكافحة القرصنة والعمل على حرية البحار يعد أمرًا أساسيًّا في المنطقة. وهنا تحركت أوروبا أيضًا من خلال عملية أتالانت تحت القيادة البريطانية. يا له من رمز جميل.

سؤال- لقد أبدى رئيس الوزراء الصيني وين جياباو جهارًا استياءه من فرنسا إبان زيارته الأخيرة إلى أوروبا. كيف تنوون إقامة علاقات جيدة مجددًا بين بكين وباريس؟

جواب- بالصبر والعزيمة. لقد ذكرنا في شهر ديسمبر/كانون الأول، أنه ليس على الصين أن تملي أجندتها على رئيس الجمهورية الفرنسية، ولا أرى شيئًا غير عاديًّا في أن يلتقي رئيس الدولة الدالاي لاما، وهو شخصية دينية مرموقة وحائز على جائزة نوبل للسلام. غير أنه، من جانب آخر، يعلم أصدقاؤنا الصينيون جيدًا أننا لم نضع قط وحدة الأراضي الصينية في موضع البحث ولم نشجع قط انفصال التبت. لقد تساءلنا - في حقيقة الأمر - لماذا ينتقدنا الصينيون أكثر من غيرنا. هل لأنهم طالما قدّروا فرنسا أكثر من غيرها؟ هل لأنهم ينتظرون أيضًا الكثير منّا؟ على أية حال، نحن ننتظر الكثير منهم. وسوف نتحلى بالصبر./.

publié le 02/11/2009

haut de la page