تاريخ

منذ البدء والعمل الفرنسي في المشرق يمزج بشكل وثيق بين الاعتبارات الدينية والسياسية.
عندما أبرم فرانسوا الأول عام 1536 أول تحالف يوقع بين ملك مسيحي وعاهل مسلم، كان يضرب منافسيه المتجمعين حول الامباراتور شارل كين، لكنه صدم المسيحيين.فلتخليص نفسه، حصل من سليمان القانوني على حق حماية مسيحيي الأرض المقدسة. من خلال معاهدة عام 1536 والمعاهدات التالية، التي تسمى الامتيازات Capitulations، أصبح يإمكانه الاعتناء بالكنائس، تعيين قناصل في كل مدن الامبراطورية العثمانية، وضمان حرية التجارة والمواطنة والعبادة لرعاياه. تدريجيا ومع تجدد هذه الامتيازات، انتشرت وصاية فرنسا على كل مسيحيي الامبراطورية التابعين لروما. فأصبح حق حماية جاليات الشرق المسيحيية أهم وسيلة لانتشار النفوذ الفرنسي في الشرق الأدنى.

في القدس، تدافع فرنسا عن حقوق اللاتين المسؤولين عن الأماكن المقدسة. في أعقاب حادثة وقعت بين الفرانسيسكان والأرمن في مغارة المهد في بيت لحم، قرر الملك لويس الثالث عشر، بعد أن استدعي لاستعادة حق الاتين المهدد، قرر تعيين قنصل فرنسي في القدس "مجدا لله وإعفاءا للأتقياء الذاهبين بإخلاص لزيارة الأماكن المقدسة". كان على هذا القنصل الأول السير جان لامبرور أن يواجه حال وصوله عام 1623 العداء المشترك من رعاياه والسلطات المحلية والقوى الخارجية، لاسيما الفينيسيين. إنّ مهمته ومهمة خلفائه كانت غاية في الصعوبة إلى حد أنّ الوجود القنصلي الفرنسي في القدس ظلّ متقطع وعرضي حتى عام 1843، وأصبح دائما منذ ذلك العام.

إنّ الضعف الواقع على الامبراطورية العثمانية في تلك الفترة هيّج المنافسة بين الدول الكبرى لاقتسام بقايا جثته. كان نظام الامتيازات يسمح للقوى المسيحية بمدّ محمياتهم على سكان يزدادون عددا. لدى كل قنصل محمييه وعلى ممثل فرنسا أن يضاعف احتراسه لفرض احترام حقوقه وامتيازاته التي تمنحه إياها حقوقه الدبلوماسية التي كانت فرنسا الاولى في اكتسابها. احتدّت الندية بين الطوائف الدينية حول الأماكن المقدسة إلى درجة أنّ نزاع بسيط بين الرهبان حول اختفاء نجمة مغارة المهد كانت من الأسباب التي أدت إلى حرب القرم عام 1853، حيث تواجهت روسيا، حامية الاورثدكس وفرنسا، حامية اللاتين.

لتوسيع نفوذه، اعتمد قنصل فرنسا على الحركة التبشيرية الكاثولثكية الفرنسية القوية في آخر القرن الـ19 وبداية القرن الـ20، والتي بالمناسبة كانت تحظى بدعم الحكومات المتعاقبة حتى المعارضة منها للدين. أتت العديد من المنظمات الدينية الفرنسية لفتح بيووت في القدس وحول الأماكن المقدسة. يبلغ عدد المؤسسات الدينية حسب اتفاقات ميتيلان (1901) وقسطانطينية (1913) والتي تسلم حمايتها الدبلوماسية لفرنسا حوالي 130. إنّ هذه المؤسسات التي تكرس عملها في تقديم العلاج أو التعليم أو ايواء اليتامى أو دراسة التاريخ الانجيلي أو الصلاة، عززت الوجود الفرنسي في المنطقة قبل الحرب العالمية الاولى.

من ناحية اخرى، وسّع الاستعمار الفرنسي في شمال افريقيا والقارة السوداء، نطاق حماية القنصلية إلى العديد من الرعايا المسلمين واليهود القادمين من هذه البلاد للاستقرار في المدينة المقدسة. وفتح اولى مدارس الحلف اليهودي العالمي في فلسطين عام 1880، بحماية ودعم الحكومة الفرنسية، ساهمت في إشراق الثقافة الفرنسية في الأوساط اليهودية.

عندما انهارت الامبراطورية العثمانية عام 1918، استقلّت القنصلية العامة في القدس عن سفارة فرنسا في القسطنطينية التي كانت القنصلية تابعة لها. وعلّق الانتداب البريطاني، الذي أنشء عام 1922، محمية فرنساعلى مسيحيي فلسطين، إلا أنّ نفوذ القنصلية العامة ظلت قوية خلال تلك الفترة. فواصلت نشاطها الثقافي من حلال الجمعيات الدينية ومدارس الحلف ومراكزها الثقافية ومولت كلية اللغة الفرنسية في الجامعة العبرية الحديثة النشئة. منحتها استقلاليتها الجديدة ، إلى جانب العمل القنصلي، دورا دبلوماسيا كثيفا في شرق أدنى قيد التكوين. في هذا السياق بوشر في بناء القنصلية العامة الحالية، عام 1929، حيث تذكر هيئتها الشامخة الدور البارز التي لعبته فرنسا الحريصة على مواصلته في المنطقة.

أحدث تقسيم فلسطين عام 1947 تقلبا عميقا في دائرة القنصلية الفرنسية العامة في القدس. تعريف الأراضي يأخذ كمرجعية الوضع الخاص للمدينة كما عرفته خطة التقسيم عام 1948. حتى وإن هذه الخطة لم تطبق يوما، وهي تضع مدينة القدس (مع مدينة بيت لحم) تحت سلطة منظمة الامم المتحدة، إلا أنها تبقى مصدرا للشرعية الدولية في انتظار تسوية شاملة. في المحصلة، تشمل دائرة القنصلية العامة القدس والأراضي المحتلة من قبل إسرائيل عام 1967 (الضفة الغربية وقطاع غزة). وتمنحتها هذه الصلاحية الإدارية وضعا خاصا تشتترك به مع باقي القنصليات العامة في القدس، التابعة لعواصمها الخاصة.

يواصل القنصل العام، في إطار دائرته، تولي دور حماية الجاليات الدينية تباعا للاتفاقيات الموقعة مع العثمانيين، والتي لا تزال نافذة حسب قانون خلافة الدول. إلى هذا الدور الدبلوماسي تضاف المعونات، توفير متطوعين دوليين، صيانة وحراسة الأملاك الفرنسية الوطنية. في المقابل يتمتع القنصل، باسم الجمهورية، بالشرف الطقسي، كما تشهد على ذلك مراسم دخوله في كنيسة القيامة التي تذكر حماية فرنسا على الأماكن المقدسة، القداديس على شرف فرنسا، وكذلك حضوره باللباس النظامي في احتفالات عيد الميلاد والفصح، إلى جانب قناصل الدول الكاثوليكية الاخرى. إذا كان هذا الدور الديني الذي يتولاه القنصل العام أصبح اليوم أقل أهمية إلا أنّه لا يزال ضروريا ليس فقط مراعاة للتقاليد إنما أيضا للحفاظ على توازن الجاليات الحساس وعلى مستقبل مسيحيي المنطقة الذي لا يزال غير موثوق به.

مهمة القنصل العام بذاتها هي حماية الفرنسيين وهي تخص بالأساس الجالية الفرنسية الذات أغلبية إسرائيلية ـ فرنسية، وكما في الماضي، العديد من السواح والحجاج العابرين، وممثلي الطوائف الدينية الفرنسية ويضاف إليها أعضاء المنظمات غير الحكومية المتواجدة في دائرة القنصلية. يتم ممارسة هذا العمل باحترام قرارات الامم المتحدة التي تنص بأنّ كل العلاقات الدبلوماسية مع دولة إسرائيل هي من الاختصاص الحصري لسفارة فرنسا في تل ابيب.

من النتائج الاستثنائية لاستقلالية القنصلية العامة دور التمثيل السياسي لدى السلطة الوطنية الفلسطينية. حتى قبل انشاء السلطة الفلسطينية عام 1994، كان لفرنسا في الأراضي المحتلة سياسة تعاونية مهمة في المجال الصحي، والانساني والتعليمي، والثقافي والاقتصادي والمالي. ولقد عزز تأسيس إدارة فلسطينية هذا التعاون وأعاد توجيهها نحو قنوات أكثر رسمية. يدير اليوم قسم القنصلية العامة الثقافي ميزانية مهمة للتعاون، في حين تضع الوكالة الفرنسية للتنمية والقسم التجاري الآليات المالية لتقديم المساعدات الفرنسية. وأخيرا إنّ القنصل العام يتولى دور تمثيل فرنسا لدى وكالة الغوث للاجئين الفلسطينيين الدولية التابعة للأمم المتحدة UNRWA.

فالقنصل العام في القدس يجمع أدوارا دينية وقنصلية، وسياسية. إنّ هذا التحالف يعكس بوفاء خصوصية هذه المدينة التي منذ تأسيسها ربطت بشكل وثيق بين الروحي والدنيوي. من المتوقّع ألا يفلت مستقبل المنطقة من هذه الثنائية الدينية والسياسية والتي لا تزال لفرنسا فيها أوراق ومصالح أساسية.

صور لبعض القناصل عبر التاريخ

JPEG - 4.1 كيلوبايت
Salvator PATRIMONIO 1873-1881
JPEG - 4.7 كيلوبايت
George GUEYRAUD 1908-1914
JPEG - 2.8 كيلوبايت
Louis RAI 1919-1924
JPEG - 4.2 كيلوبايت
René NEUVILLE 1946-1952
JPEG - 15.7 كيلوبايت
سليمان القانوني وفرانسوا الأول

publié le 04/04/2013

haut de la page